الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
70
نفحات القرآن
( الصدّيقين ) الذين يستشهدون به ( تعالى ) عليه ، ثمّ يستشهدون بذاته على صفاته وبصفاته على أفعاله ، واحداً بعد واحد ، وغير هؤلاء ( كالمتكلّمين ، والطبيعيين وغيرهم ) يتوسّلون إلى معرفته ( تعالى ) وصفاته بواسطة اعتبار أمر آخر غيره ( كالإمكان للمهيّة ، والحدوث للخلق ، والحركة للجسم ، أو غير ذلك ) وهي أيضاً دلائل على ذاته ، وشواهد على صفاته ، لكن هذا المنهج أحكم وأشرف . وقد أشير في الكتاب الإلهي إلى تلك الطرق بقوله ( تعالى ) : « سَنُرِيهِم آيَاتِنَا فِى الافَاقِ وَفِى أَنفُسِهِم حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُم أَنَّهُ الحَقُّ » وإلى هذه الطريقة بقوله ( تعالى ) : « أَوَ لَم يَكفِ بِرَبِّكَ انَّهُ عَلَى كُلِّ شَىءٍ شَهِيدٌ » . ثمّ يضيف : وذلك لأنّ الربّانيين ينظرون إلى الوجود ، ويحقّقونه ويعلمون أنّه أصل كلّ شيء ، ثمّ يصلون بالنظر إليه إلى أنّه بحسب أصل حقيقته واجب الوجود ، وأمّا الإمكان والحاجة والمعلولية وغير ذلك فإنّما تلحقه لا لأجل حقيقته بما هي حقيقته ، بل لأجل نقائص وأعدام خارجة عن أصل حقيقته » « 1 » . وباختصار عند ملاحظة الوجود الحقيقي نجد أنّه لا يجتمع مع العدم أبداً ، ولا يسمح للعدم أن يتطرّق إليه وذلك لأنّ الوجود والعدم متقابلان ، وهكذا إذا لاحظنا العدم فإنّا نجده يطرد الوجود عن ذاته ، وعليه فإنّ حقيقة الوجود واجبة الوجود ، والعدم ممتنع الوجود . والإشكال المهمّ الذي يتبادر إلى الذهن والذي بادر صدر المتألّهين للإجابة عنه في الأسفار هو أنّ كلّ موجود - وفق هذا الاستدلال - يجب أن يكون واجب الوجود ، لأنّ هذا الاستدلال يجري في كلّ مورد في حين نرى أنّ الممكنات حادثة وليست أزلية ولا أبدية ولا واجبة الوجود . الإجابة : لابدّ من الالتفات إلى هذه النقطة وهي أنّ الوجودات الممكنة ليست وجودات أصيلة ، بل هي وجودات محدودة ومصحوبة بالعدم وهذا العدم ناشيء من محدوديتها ، وما
--> ( 1 ) راجع الأسفار ، ج 1 ، ص 15 ( بتلخيص يسير ) ، كما ورد نظير هذا المعنى في حاشية الأسفار للمحقّق السبزواري ، ج 8 ، ص 14 .